الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

317

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستسقاء الذي في « الصحيح » أن رجلا جاء يوم الجمعة والنبي صلى اللّه عليه وسلّم يخطب فقال : يا رسول اللّه هلك الزرع والضرع فادع اللّه أن يسقينا فرفع يديه وقال : اللّهم اسقنا ثلاثا ، وما يرى في السماء قزعة سحاب ، فتلبدت السماء بالسحاب وأمطروا من الجمعة إلى الجمعة حتى سالت الأودية وسال وادي قناة شهرا ، فأتاه آت في الجمعة القابلة هو الأول أو غيره ، فقال : يا رسول اللّه تقطعت السبل فادع اللّه أن يمسك المطر عنا ، فقال : اللّهم حوالينا ولا علينا ، فتفرقت السحب حتى صارت المدينة في شبه الإكليل من السحاب . والجمع بين الروايتين ظاهر . ويظهر أن هذا القحط وقع بعد يوم بدر فهو قحط آخر غير قحط قريش الذي ذكر في هذه الآية . ومعنى يَغْشَى النَّاسَ أنه يحيط بهم ويعمّهم كما تحيط الغاشية بالجسد ، أي لا ينجو منه أحد من أولئك الناس وهم المشركون . فإن كان المراد من الدخان ما أصاب أبصارهم من رؤية مثل الغبرة من الجوع فالغشيان مجاز ، وإن كان المراد منه غبار الحرب يوم الفتح فالغشيان حقيقة أو مجاز مشهور . ويجوز أن يكون غبارا متصاعدا في الجو من شدة الجفاف . وقوله : هذا عَذابٌ أَلِيمٌ قال ابن عطية يجوز أن يكون إخبارا من جانب اللّه تعالى تعجيبا منه كما في قوله تعالى في قصة الذبيح إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [ الصافات : 106 ] . ويحتمل أن يكون ذلك من قول الناس الذين يغشاهم العذاب بتقدير : يقولون : هذا عذاب أليم . والإشارة في هذا عَذابٌ أَلِيمٌ إلى الدخان المذكور آنفا ، عدل عن استحضاره بالإضمار وأن يقال : هو عذاب أليم ، إلى استحضاره بالإشارة ، لتنزيله منزلة الحاضر المشاهد تهويلا لأمره كما تقول : هذا الشتاء قادم فأعدّ له . وقريب منه الأمر بالنظر في قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الأنعام : 24 ] فإن المحكي مما يحصل في الآخرة . [ 12 ] [ سورة الدخان ( 44 ) : آية 12 ] رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 ) هذه جملة معترضة بين جملة هذا عَذابٌ أَلِيمٌ [ الدخان : 11 ] وجملة أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى [ الدخان : 13 ] فهي مقول قول محذوف . وحملها جميع المفسرين على أنها حكاية قول الذين يغشاهم العذاب بتقدير يقولون : ربّنا اكشف عنا العذاب ، أي هو وعد صادر من النّاس الذين يغشاهم العذاب بأنهم يؤمنون إن كشف عنهم العذاب أي فيكون مثل قوله